التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الدين الرياحي… من هيبة القضاء إلى أسئلة الرواية


يُعدّ الأستاذ نور الدين الرياحي واحدًا من الأسماء التي جمعت بين صرامة القانون ورهافة الأدب، وبين سلطة المرافعة وقلق الكتابة. فمنذ التحاقه بسلك القضاء في نهاية سبعينيات القرن الماضي، في سن مبكرة لم تتجاوز الحادية والعشرين، تشكّل مساره في قلب التحولات الكبرى التي عرفها المغرب القضائي. عُيّن بأمر من المغفور له الملك الحسن الثاني في النيابة العامة بالدار البيضاء، وتدرّج في المسؤوليات إلى أن صار وكيلًا عامًا للملك، مشاركًا في ملفات وُصفت بالأكثر حساسية في تاريخ العدالة المغربية. وقد ارتبط اسمه بمحاكمات كبرى، من بينها قضية"الحاج تابت" الشهيرة التي انتهت بتنفيذ آخر حكم بالإعدام سنة 1993، حيث قدّم اجتهادًا قانونيًا استند إلى الفصل 399 من القانون الجنائي، فكان نموذجًا للقاضي الباحث الذي لا يكتفي بتطبيق النص، بل يستنطق روحه ومقاصده.

لم يكن الرياحي رجل أحكام فقط، بل عاشقًا للكلمة والمرافعة بوصفهما فنًا إنسانيًا راقيًا. ففي مذكراته التي نشر بعضها سنة 2020، يستعيد شغفه المبكر بالمرافعات العالمية وبتراث المحاماة الفرنسية، منذ فترة تكوينه بباريس في إطار أول فوج مغربي أُرسل إلى المدرسة الوطنية للإدارة العمومية ومجلس الدولة الفرنسي استعدادًا لإحداث المحاكم الإدارية. هناك تشكّلت مكتبته وذاكرته السمعية مع تسجيلات كبار المحامين مثل جاك إيسورني وجون لوي فينيوكور، وهي التجربة التي صقلت نظرته إلى العدالة باعتبارها قبل النصوص «رجالًا صالحين يطبقونها». وظل هذا العشق يرافقه طيلة مساره، سواء داخل قاعات الجلسات أو في خلوته بأرض الجدور بجماعة أرياح، حيث كان يعكف على تحرير المذكرات القانونية بدقة وهدوء صارمَين.

هذا المخزون الإنساني والمهني وجد طريقه لاحقًا إلى عالم السرد من خلال روايته «الصخرة»، التي مثّلت انتقالًا طبيعيًا من لغة الأحكام إلى لغة الأسئلة. في هذا العمل الممتد على أكثر من ثلاثمائة صفحة، ينسج الرياحي قصة حب بين شابة أوكرانية وكاتب أمريكي، تبدأ في إسبانيا وتنتهي في جبال الأطلس، على خلفية أحداث عالمية كجائحة كورونا وحرب أوكرانيا وزلزال الحوز وحرب غزة. غير أن الرواية تتجاوز الحكاية العاطفية لتصبح تأملًا في معنى العدالة والهشاشة والقوة، حيث تتحول «الصخرة» إلى رمز للتعايش بين الثقافات والأديان، من قبة القدس إلى صخرة جبل طارق. وخلال حفل تقديم الرواية بالمركز الثقافي أحمد بوكماخ بطنجة، أجمع النقاد على أن العمل يشكّل مشروعًا فلسفيًا يرى في الحب شكلًا من أشكال المقاومة ضد قبح الحروب والأوبئة.

هكذا يبدو مسار نور الدين الرياحي رحلة بين عالمين متكاملين: عالم القضاء الذي صاغ شخصيته على قيم الدقة والمسؤولية، وعالم الأدب الذي حرّره من صرامة الملفات إلى رحابة المعنى. وبينهما ظل الخيط الناظم واحدًا: الإيمان بأن العدالة قبل أن تكون نصًا هي ضمير، وأن الكتابة قبل أن تكون سردًا هي بحث عن الإنسان داخل الصخرة التي يحملها كل واحد منا.

علاء كعيد حسب

شاعر وكاتب صحفي

المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قريبا.. زيارة مرتقبة لجلالة الملك لإقليم الحوز

  يرتقب أن يحل محمد السادس بإقليم الحوز، في زيارة تحمل أبعاداً تنموية قوية، خاصة في ما يتعلق بدعم البنيات التحتية وتعزيز المشاريع المهيكلة بالمنطقة. وتشير المعطيات إلى أن هذه الزيارة ستشهد تدشين سد آيت زياد بجماعة تيديلي مسفيوة، إلى جانب مشاريع أخرى بمراكش، في إطار توجه استراتيجي يروم تعزيز الأمن المائي ومواجهة تحديات الجفاف.

ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب.. الناقد والمترجم حسن لغدش يوقّع “الأسس الفلسفية لمغامرة التشكيل بالمغرب”

                                       بمناسبة فعاليات المعرض الدولي للكتاب، يصدر الناقد والمترجم حسن لغدش مؤلَّفه الجديد الموسوم بـ«الأسس الفلسفية لمغامرة التشكيل بالمغرب»، في عمل يُعد إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الجمالية المعاصرة. ويقترح الكاتب من خلال هذا الإصدار قراءة معمقة لمسارات التشكيل المغربي، عبر تفكيك مرجعياته الفكرية واستكشاف تحوّلاته الأسلوبية والرمزية. وينفتح الكتاب على تداخلات خصبة بين الفلسفة والفن والسيميائيات، حيث يسعى إلى إبراز ملامح تشكّل الهوية البصرية المغربية ضمن سياق جدلي يجمع بين المحلي والكوني، ويزاوج بين الذاكرة والتجريب. كما يسلط الضوء على دينامية التحولات التي عرفها الفن التشكيلي بالمغرب، من خلال رصد امتداداته الفكرية وتقاطعاته مع أسئلة الحداثة. وبهذا، يقدم المؤلَّف مساهمة نقدية متميزة، تروم تأسيس وعي نظري بمغامرة التشكيل في المغرب، واستعادة أبعادها المعرفية والجمالية، في أفق بلورة قراءة نقدية جديدة تغني النقاش حول الفن والهوية البصرية في السياق المغربي.

سلطات الحوز ترفض ترشيح رئيس جماعة سابق من المشاركة في الانتخابات الجزئية

  في تطور يعكس صرامة تنزيل القوانين الانتخابية، كشفت مصادر مطلعة أن السلطات الإقليمية بعمالة الحوز رفضت طلب ترشح رئيس جماعة سابق، كان يعتزم خوض غمار الانتخابات الجزئية لشغل أحد المقاعد الشاغرة بعدد من الجماعات الترابية بالإقليم. ووفق المعطيات المتوفرة، فإن قرار الرفض استند إلى عدم استيفاء المعني بالأمر لشروط الأهلية القانونية للترشح، نتيجة صدور حكم قضائي في حقه، ما حال دون قبول ملف ترشيحه، في خطوة تؤكد تشبث السلطات بتطبيق المقتضيات القانونية المنظمة للعملية الانتخابية. ويأتي هذا المستجد في وقت تواصل فيه السلطات المحلية استقبال الترشيحات الفردية لشغل تسعة مقاعد شاغرة موزعة على سبع جماعات ترابية، في إطار الانتخابات الجزئية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية ونُشرت تفاصيلها في الجريدة الرسمية. وتستمر عملية إيداع الترشيحات إلى غاية 16 أبريل الجاري، على أن يُجرى الاقتراع يوم الثلاثاء 5 ماي 2026، وفق الجدولة الزمنية المحددة. كما يرتقب أن تنطلق الحملة الانتخابية يوم 22 أبريل، لتستمر إلى غاية 4 ماي، بحسب القرار الصادر عن عبد الوافي لفتيت. ويرى متتبعون أن هذا القرار يكرّس مبدأ ربط المسؤولية بال...

قضاة المجلس الجهوي للحسابات يحلون ببلدية أمزميز لافتحاص تدبير المرحلة 2020-2025

حلّ قضاة المجلس الجهوي للحسابات، أمس الثلاثاء، بجماعة أمزميز بإقليم الحوز، في إطار مهمة افتحاص تهم تدبير وتسيير الشأن المحلي خلال الفترة الممتدة من سنة 2020 إلى سنة 2025، وذلك ضمن المهام الرقابية التي تضطلع بها هذه المؤسسة الدستورية لتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتندرج هذه العملية في سياق المراقبة الدورية التي يقوم بها المجلس لمختلف الجماعات الترابية، حيث يرتقب أن تشمل عملية الافتحاص تدقيقاً شاملاً في الجوانب المالية والإدارية، بما في ذلك طرق صرف الميزانية، وتدبير الصفقات العمومية، وتنفيذ المشاريع التنموية، إضافة إلى تقييم مدى احترام القوانين والمساطر الجاري بها العمل. كما يُنتظر أن يعكف قضاة المجلس على فحص وثائق ووثائق محاسباتية وتقارير داخلية، إلى جانب عقد لقاءات مع المسؤولين والموظفين المعنيين، بهدف الوقوف على مكامن القوة والاختلالات المحتملة في تدبير الجماعة خلال السنوات المعنية. وتكتسي هذه المهمة أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في تحسين أداء الجماعات الترابية وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، فضلاً عن تقديم توصيات من شأنها تصحيح الاختلالات والارتقاء بجودة ...

خالد آيت مسعود يقود “الاستقلال” بأنكال نحو حسم المقعد النسوي في الانتخابات الجزئية

في سياق التحضيرات الجارية للانتخابات الجزئية بإقليم الحوز، يبرز اسم خالد آيت مسعود كأحد الفاعلين السياسيين الذين يقودون تحركات حزب حزب الاستقلال بجماعة أنكال، من أجل كسب المقعد النسوي الشاغر في إطار هذه الاستحقاقات. وتأتي هذه التحركات في ظل معطيات تفيد بعدم تقدم الحزب المنافس بترشيح، ما يضع مرشحة “الميزان” في موقع مريح لحسم المقعد. وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن فوز حزب الاستقلال بهذا المقعد من شأنه إعادة رسم موازين القوة داخل المجلس الجماعي، حيث سيصبح عدد أعضائه ثمانية مقابل سبعة لحزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يمنح الحزب موقعاً متقدماً في تدبير الشأن المحلي. وتندرج هذه الانتخابات ضمن العملية التي أطلقتها وزارة الداخلية لشغل مقاعد شاغرة بعدد من الجماعات، حيث يُرتقب أن تُجرى يوم 5 ماي 2026، في وقت تتواصل فيه التعبئة الحزبية لضمان تمثيلية قوية داخل المجالس المنتخبة.