التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوسكسو مفتش حزب الإستقلال بمراكش يكتب: "توجهات السياسة الجنائية على ضوء مستجدات القوانين الانتخابية"


الاستاذ يونس أبوسكسو/ محام بهيئة مراكش المفتش الاقليمي لحزب الاستقلال

تسعى الدولة إلى حماية نفسها من الجريمة بوسائل متعددة، تهم طرق تنفيذ القانون والعدالة الجنائية، وذلك عبر سياسة جنائية تهدف إلى ردع التصرفات المضادة للنظام الاجتماعي والوقاية منها. وقد جاء قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، وفق آخر التعديلات، ليحدد في الفرع الخامس منه المقصود بالسياسة الجنائية، واعتبرها ذلك الجزء من السياسات العمومية التي تشمل قواعد وتدابير تتخذها الدولة في مجال مكافحة الجريمة والوقاية منها. ويتشرف رئيس النيابة العامة على تنفيذ السياسة الجنائية التي يضعها المشرع، وذلك طبقًا للمادة 51-1 من قانون المسطرة الجنائية.

ومن خلال عنوان هذه المداخلة، سنحاول رسم بعض المعالم لتوجهات مستجدات القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب (المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026). وذلك بعد طرح سؤال جوهري مفاده: هل نحن فعلًا في حاجة ماسة للتدخل بسيف العقاب وتوسيع دائرة التجريم لإصلاح الأعطاب الانتخابية السابقة، أم بالأحرى إلى إرساء الشرعية الديمقراطية للمؤسسة التشريعية بضمان نزاهة وشفافية انتخابها، عبر إعمال سيف العقاب لزجر مختلف تراكمات وسائل إفساد العملية الانتخابية في التجارب السابقة؟ وما هي التدابير التي رصدتها الدولة، سواء عبر سياسة التجريم والعقاب أو التدابير الوقائية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 53.25؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من التذكير بالاختيار السيادي للمملكة المغربية، من خلال إعلان الإرادة الصريحة لجلالة الملك لتخليق الحياة السياسية، والذي كان مبدأً محوريًا في تقديم مضامين تعديلات القانون المتعلق بمجلس النواب. ومؤدى ذلك، بطبيعة الحال، التنصيص في مستهل هذا القانون التنظيمي، في المادة 6، على موانع الأهلية للترشح لعضوية مجلس النواب، مع توسيع نطاقها. وسأقتصر على ما له علاقة بموضوع هذه المداخلة، خصوصًا الفقرات 5 و6 و7، وما خلفته من نقاش حول دستوريتها، والذي حسمه قرار المحكمة الدستورية بعد الإحالة عليها من قبل رئيس الحكومة، وفق ما يخوله دستور المملكة.

وقد انصب النقاش أساسًا حول مدى دستورية المنع من الترشح لمجرد المتابعة في حالة التلبس، وفق ما تنص عليه الفقرة 5، لما قد يترتب عن ذلك من مساس بمبدأ قرينة البراءة، الذي يحظى بدوره بحماية دستورية. وفي اعتقادي المتواضع، فإن تعليل قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25 م.د، الصادر بتاريخ 24 دجنبر 2025، اعتمد منطق الموازنة بين مبدأين دستوريين، حين أشار إلى مضمون الفصل 11 من الدستور، الذي يستوجب أن تكون الانتخابات نزيهة وشفافة. وهو الاتجاه الذي ساير الإطار العام الهادف إلى تخليق الحياة السياسية كأولوية، وكأساس محدد للسياسة الجنائية في هذا الصدد، عبر توسيع دائرة التجريم والتشدد في العقاب، والتنصيص على مجموعة من التدابير الرامية إلى الحد من الإفلات من العقاب، وهو ما سنتطرق إليه بإيجاز فيما يلي:

أولًا: بعض صور التجريم في القانون التنظيمي رقم 53.25

تتمثل الملاحظة الأولية على النصوص التجريمية في القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب رقم 53.25 في استحضارها للتطورات التكنولوجية، واستخدامات الذكاء الاصطناعي، واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي والأنظمة المعلوماتية. وقد نص المشرع على ما يقارب 31 مادة تحدد السلوك الإيجابي والسلبي الذي يدخل ضمن الأفعال المجرمة، سواء كان صادرًا عن المرشح للانتخابات أو عن الغير، وذلك من المادة 38 إلى المادة 69.

ومن بين المستجدات المهمة التي يستشف منها توسيع نطاق التجريم، ما تنص عليه المادتان 38 و40، حيث تم تجريم أفعال كانت سابقًا موجبة فقط للطعن في نتائج الانتخابات أمام المحكمة الدستورية (المادة 39)، كما تم تجريم أفعال كانت إلى وقت قريب تُعتبر من مقومات نجاح المرشح، خاصة ما يتعلق بنشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية.

كما اتجه المشرع إلى تجريم التصويت لأكثر من مرة (المادة 46)، وتجريم الإعلانات الانتخابية لفائدة أشخاص غير مسجلين أو مترشحين غير مسجلين، أو توزيع برامجهم ومنشوراتهم (المادة 42). ومن أهم المستجدات ذات البعد الوقائي، تجريم تدخلات الموظفين ومأموري الإدارة والجماعات الترابية للتأثير في العملية الانتخابية، سواء أثناء مزاولة مهامهم أو بمناسبتها، عبر استمالة الناخبين.

وقد نص القانون كذلك على أفعال جرمية ترتقي إلى وصف الجناية (المواد 54 و58 و59)، من قبيل الاستيلاء على صندوق الانتخابات قبل فرز الأصوات، أو انتهاك العمليات الانتخابية بكسر الصندوق أو فتح أوراق التصويت. كما تم تجريم مجرد محاولة إرغام الناخب على الامتناع عن التصويت أو التأثير عليه باستعمال العنف أو التهديد أو التخويف (المادة 63).

وبخلاف ما قد يعتقد البعض، فإن هذه الأفعال لا تنحصر في فترة الحملة الانتخابية، بل تمتد إلى مدة قد تصل إلى أربعة أشهر قبل يوم الاقتراع، استنادًا إلى المادة 64، التي تحدد فترة تجريم استمالة الناخبين عبر تقديم الهدايا أو التبرعات.

ثانيًا: سياسة العقاب على ضوء القانون رقم 53.25

في الشق الزجري، جاءت مقتضيات القانون التنظيمي حاسمة بخصوص استبعاد تطبيق العقوبات البديلة، حيث نصت المادة 38 صراحة على أنه: “لا يُحكم بالعقوبات البديلة في الجنح المنصوص عليها في هذا الباب”.

ويُذكر أن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة دخل حيز التنفيذ في غشت 2025، ولم يتطرق صراحة للجرائم الانتخابية ضمن الجرائم المستثناة، ما يفيد أن المشرع اتجه، من خلال القانون التنظيمي الجديد، إلى اعتبار هذه الجرائم ضمن الأفعال الخطيرة التي تمس بالأمن العام للدولة والمجتمع، بما يشمله من أمن قانوني واقتصادي واجتماعي، وبالتالي عدم التساهل مع مرتكبيها.

كما يتجلى التشدد في السياسة العقابية من خلال الرفع من قيمة الغرامات، التي لا تقل عن 10.000 درهم وتصل إلى 300.000 درهم، وغالبًا ما تكون مقرونة بعقوبات حبسية. واعتمد المشرع كذلك معيار صفة الفاعل لتشديد العقوبة، كما هو الحال بالنسبة للموظفين العموميين أو أصحاب المطابع، حيث يتم مضاعفة العقوبات في بعض الحالات (المواد 65 و67).

ومن مظاهر الصرامة أيضًا، التنصيص على حالة العود في المادة 69، حيث يُعتبر مرتكبًا في حالة عود كل من ارتكب جريمة مماثلة خلال خمس سنوات من تاريخ تنفيذ العقوبة أو تقادمها، مع توسيع مفهوم الجريمة المماثلة ليشمل جرائم واردة في قوانين تنظيمية أخرى.

كما تم إخضاع تقادم الدعوى العمومية والمدنية للمقتضيات العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، حيث حُدد أجل التقادم في أربع سنوات بالنسبة للجنح، وخمس عشرة سنة بالنسبة للجنايات، وسنة واحدة بالنسبة للمخالفات.

خاتمة

في ختام هذه القراءة الأولية للمقتضيات الزجرية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، يمكن القول إن السياسة الجنائية تتجه نحو توسيع نطاق التجريم والتشدد في العقاب، استجابة للاختلالات التي شابت التجارب الانتخابية السابقة، خاصة تلك المرتبطة باستعمال المال ووسائل التواصل الحديثة.

غير أن هذه الترسانة القانونية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان نزاهة العملية الانتخابية، إذ يظل الرهان الأساسي على انخراط النخب السياسية والمجتمعية، وتعزيز الوعي الجماعي بأهمية المشاركة المواطنة، خاصة في صفوف الشباب. كما يظل التواصل المؤسساتي، وفق مقتضيات المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية، عنصرًا أساسيًا لإطلاع الرأي العام على مجريات القضايا الانتخابية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبادئ الشفافية والنزاهة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أخنوش يحل بإقليم الحوز ويلتقي مناضلي الأحرار بآسني وأمزميز وتمصلوحت وتغدوين وتمزوزت وسيدي عبد الله غياث

  يرتقب أن يقوم عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار سابقاً، يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، بزيارة ذات طابع حزبي إلى عدد من المناطق التابعة لإقليم الحوز، وذلك في إطار لقاءات تواصلية مع مناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه، في سياق الاستعدادات الجارية للاستحقاقات التشريعية المقبلة. ومن المنتظر أن تشمل الجولة إمليل بجماعة أسني، ومدينة أمزميز، وجماعة تمصلوحت، إضافة إلى تغدوين وتمزوزت وسيدي عبد الله غياث، حيث سيلتقي أخنوش بمناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه، في إطار لقاءات تواصلية تروم تعبئة القواعد التجمعية وتقوية الحضور التنظيمي للحزب بالإقليم. ويرتقب أن تتجاوز هذه اللقاءات الطابع التواصلي والتنظيمي، لتشكل مناسبة لحشد الدعم والتعبئة لفائدة وكيل لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الحوز، لحسن الأجودي، خاصة مع دخول مختلف التنظيمات السياسية مرحلة الإعداد الميداني للاستحقاقات المقبلة. كما ينتظر أن تشكل الجولة فرصة أمام قيادة الحزب للاستماع إلى انتظارات المناضلين والمتعاطفين، ومناقشة القضايا التي تهم مختلف جماعات الإقليم، إلى جانب تعبئة القواعد المحلية استعداد...

ستي فاضمة.. جريمة قتل تهز منتجع أولماس والدرك يوقف المشتبه فيه

  اهتز منتجع أولماس، التابع لمنطقة ستي فاضمة بإقليم الحوز، خلال الأيام الأخيرة، على وقع جريمة قتل مأساوية أودت بحياة شخص، في واقعة استنفرت المصالح الأمنية والقضائية بالمنطقة. ووفق المعطيات المتداولة، فإن الضحية فارق الحياة إثر اعتداء من طرف أحد معارفه، كان تجمعه به علاقة صداقة، والمعروف بلقب «شليحة»، قبل أن تتمكن عناصر الدرك الملكي من توقيف المشتبه فيه ووضعه رهن تدابير الحراسة النظرية، بتنسيق مع النيابة العامة المختصة. وتشير المعطيات نفسها إلى أن المشتبه فيه كان معروفاً لدى المصالح الأمنية، حيث سبق أن كانت له قضايا مرتبطة بحيازة والاتجار في المخدرات، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث القضائية الجارية بشأن ملابسات الواقعة. وتواصل المصالح المختصة تحرياتها وتحقيقاتها من أجل تحديد كافة الظروف المحيطة بالجريمة، والكشف عن ملابساتها والدوافع المحتملة التي تقف وراءها، إلى جانب الاستماع إلى الأشخاص الذين قد تكون لهم علاقة بالواقعة. ومن المنتظر أن تتم إحالة المشتبه فيه على أنظار النيابة العامة المختصة بعد استكمال الإجراءات القانونية، وذلك لترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء نتائج الأبحاث وا...

توقيف رئيس جماعة متلبسا بتلقي رشوة قدرها 3000 درهم

  أوقفت عناصر الشرطة القضائية بالأمن الإقليمي لمدينة آسفي، يوم الجمعة 7 غشت 2026، رئيس جماعة ترابية تابعة للإقليم، للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالارتشاء وتلقي مبالغ مالية مقابل أداء خدمة إدارية. وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد جرى توقيف المسؤول الجماعي بالقرب من أحد المراكز التجارية بمدينة آسفي، إثر عملية أمنية نُفذت بناءً على شكاية تقدم بها أحد المواطنين إلى النيابة العامة، يتهم فيها رئيس الجماعة بمطالبته بمبلغ مالي قدره 3000 درهم، مقابل التدخل لقضاء خدمة ذات طابع إداري. وأفادت المعطيات ذاتها بأن عملية التوقيف تمت في إطار كمين أمني أُعد بتنسيق مع المصالح المختصة، حيث جرى ضبط المعني بالأمر في حالة تلبس، وفق ما ستكشف عنه تفاصيل البحث القضائي الجاري. وقد وُضع الموقوف تحت تدبير الحراسة النظرية، بتعليمات من النيابة العامة المختصة، وذلك من أجل تعميق البحث والاستماع إلى الأطراف المعنية، والكشف عن جميع ملابسات القضية، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وعرض المشتبه فيه على أنظار القضاء.

فاجعة على طريق أوريكة تمزوزت.. وفاة أم وإصابة زوجها وطفلها في حادث سير خطير

  اهتزت جماعة غمات بإقليم الحوز، في الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين 10 غشت الجاري، على وقع حادثة سير مروعة أودت بحياة سيدة، فيما أصيب زوجها وابنهما البالغ من العمر خمس سنوات بجروح متفاوتة الخطورة، بعدما تعرضت الأسرة للدهس من طرف سيارة في ظروف لا تزال موضوع بحث من قبل المصالح المختصة. وبحسب شهادات عدد من الحاضرين وأفراد من عائلة الضحية، فإن السيارة صدمت أفراد الأسرة قبل أن تواصل سيرها، وسط حديث عن جر السيدة لمسافة تجاوزت 60 مترًا، بعدما علقت ساقها بالجزء الأمامي للمركبة، ما تسبب لها في إصابات بالغة على مستوى الساق والرأس والصدر. وجرى نقل الضحية في حالة حرجة إلى المركز الاستشفائي محمد السادس بمراكش، حيث خضعت لعملية جراحية استعجالية انتهت إلى بتر ساقها على مستوى الفخذ، في محاولة لإنقاذ حياتها، غير أن خطورة الإصابات والنزيف الحاد الذي تعرضت له حالا دون ذلك، لتفارق الحياة متأثرة بجروحها. وفي المقابل، جرى نقل الزوج والطفل، الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، إلى إحدى المصحات لتلقي الإسعافات والعلاجات الضرورية، في وقت تتابع فيه المصالح الطبية وضعهما الصحي. وتفيد روايات متداولة بين عدد من ا...

عمالة الحوز تستقبل قائدين جديدين من الفوج 61 لتعزيز الإدارة الترابية وسد المناصب الشاغرة

تستعد عمالة إقليم الحوز لاستقبال قائدين جديدين من خريجي الفوج 61 من المعهد الملكي للإدارة الترابية، وذلك في إطار الحركة الجديدة لتعيين رجال السلطة، بهدف تعزيز الطاقم الترابي وسد عدد من المناصب الشاغرة بالإقليم. وتأتي هذه التعيينات في سياق إعادة توزيع رجال السلطة حديثي التخرج على عدد من العمالات والأقاليم، بما يواكب حاجيات الإدارة الترابية ويعزز حضورها الميداني في تدبير الملفات المحلية ومواكبة القضايا المرتبطة بالساكنة. ويرتقب أن تساهم هذه التعيينات في دعم الإدارة الترابية بإقليم الحوز، الذي يشهد دينامية متواصلة على مستوى إعادة الإعمار وتنزيل المشاريع التنموية وتتبع أوراش ما بعد زلزال 8 شتنبر، إلى جانب تدبير مختلف الملفات المرتبطة بالجماعات الترابية. ومن المنتظر أن يتم الكشف رسمياً عن تفاصيل المهام المسندة إلى القائدين الجديدين، فور استكمال الإجراءات والمساطر الإدارية المعمول بها.