التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخار في تمصلوحت .. "منحة الرزق" تتحول إلى "محنة المرض"

إبراهيم مغراوي
تعتبر صناعة الفخار بجماعة تمصلوحت، ضواحي مراكش، تراثا ثقافيا أبدع فيه الصانع التقليدي وأظهر من خلاله لمساته الفنية الجميلة، ومن الحرفيين من أطمر تحت التراب حبا في تحف الفخار.
فخار تمصلوحت الضارب في التاريخ، تحولت ورشاته إلى معضلة بيئية، وهو ما تلاحظه العين المجردة بمجرد الاقتراب من الزاوية الأمغارية حيث تتصاعد سحب من دخان أسود كثيف تنفثه الأفران التقليدية التي تستعمل المطاط في إعداد الأواني الفخارية.
معاناة صناع الفخار
حسن خاتر، أمين مال الاتحاد العام المغربي للصناعة التقليدية، قال لهسبريس إن "حنطة الفخار بجماعة تمصلوحت تضم 64 ورشة، تتوزع بين ثلاث حومات هي تخربينت والسوق ولعسيري، وكل واحدة منها تشغل ما بين اثنين وستة مستخدمين، وتشكل مصدر عيش 256 عائلة، في منطقة أضحت تنتشر بها مؤخرا فنادق من خمسة نجوم ودور ضيافة تستقبل كبار ضيوف المغرب"، بتعبيره.
ولصناعة الفخار، يعتمد حوالي ثلاثين فرنا تقليديا على الإطارات المطاطية للسيارات كوقود لحرق الأواني الفخارية ذات الحجم الكبير، وتستهلك من هذه المادة الملوثة سبعة أطنان يوميا (بنسبة 90 في المائة)، "بينما تعتمد ستة ورشات على فرن عازي عشوائي يشكل قنبلة موقوتة"، يقول خاتر.
وأورد الفاعل الجمعوي ذاته أنه "بعد التوسع العمراني أصبحت حنطة الفخار داخل التجمعات السكنية، ما ينعكس سلبا على صحة القاطنين بها، ويترك تأثيرا سلبيا على بيئة المنطقة الفلاحية التي تعج بضيعات أشجار الزيتون وتضم مشاريع للمخطط الأخضر، والتي باتت تنتشر بها هضبات من مخلفات المطاط"، بحسب تعبيره.
وعدد حسن خاتر أنواع الأمراض التي تصاب بها ساكنة جماعة تمصلوحت بسبب استعمال المطاط والغاز، مشيرا إلى أن "صناعة الفخار كانت تعتمد على الخشب كوقود، لكن تم التراجع عنه لفائدة مواد مسرطنة ومضرة بالبلاد والعباد، ما جعل شباب هذه الجماعة يعزفون عن اكتساب هذه الحرفة التي أفنى فيها آباؤهم وأجدادهم أعمارهم".
"معاناة الحرفيين كثيرة، منها أزمة ضمير، لأنهم يتألمون لألم فلذات أكبادهم وزوجاتهم اللائي يصبن بأمراض عدة جراء سحب الدخان التي تغرق فضاء تمصلوحت وتغزو المنازل وتلقي بسوادها على ما ينشر من ملابس، وتدخل رئات القاطنين بهذه الحومات وباقي الأحياء السكنية"، هكذا شرع رشيد هالي، رئيس جمعية شباب وصناع الخزف، في عرض المشاكل التي يشكو منها أهل هذه الحرفة.
وتابع هذا الحرفي قائلا: "المادة الأولية (التراب) معضلة يشكو منها الصناع، لأنها تحتاج إلى المعالجة من أجل إزالة ما شابها من حصى الجير التي تشوه ما تبدعه أناملهم، ومن هنا تنبع الحاجة الملحة إلى محطة للمعالجة، وقد سبق للملك محمد السادس أن أمر بإحداثها سنة 2005، لكن ما زال إنجازها متعثرا"، بتعبير رشيد هالي.
"التكوين بالتدرج غير منتج نظرا لاستغلاله من طرف المسؤولين عن القطاع"، ملاحظة طرحها حسن خاتر خلال الجولة التي قامت بها هسبريس ببعض ورشات الفخار بتمصلوحت، مشيرا إلى أن ما توفره الجهات الدولية المانحة من دعم لا يصل إلى الحرفيين الذين يعانون من غياب التغطية الصحية، رغم ما يشكون منه من أمراض صدرية وتنفسية.
"ضحينا وغامرنا في مشروع الفرن الغازي من أجل أن ننقذ أسرنا من الأمراض الصدرية والتنفسية والسرطانية، وخذلنا ممن وضعنا فيهم ثقتنا"، بمرارة يحكي كل من عبد العاطي خاتر وعبد الخالق الحافظي، "أولا لأن الأفران التقليدية تحيط بنا، وثانيا لأننا كنا فريسة للنصب والتحايل، فالشركة صاحبة الصفقة صدر في حقها حكم قضائي بالدار البيضاء (رقم 907. 2013.16) يوقف كافة المعاملات التي تخص منتوج الأفران الحاملة لهذه العلامة"، على حد قولهما.
وزاد هذان الحرفيان يشرحان محنتهما التي انطلقت خلال سنة 2012، قائلين: "التكوين اعتمد فرنا تركيا، لنفاجأ بكون الصفقة تهم الفرن الإسباني، الذي ساهمت فيه الدولة بـ40 في المائة، وهو أقل جودة ويفتقر للشروط الضرورية"، مستدلين على ذلك بـ"خرابه بعد سنتين من الاشتغال فقط"، ما جعلهم مهددين بالسجن لأن البنك الممول للمشروع يطالب بأداء قروضه.
الجماعة مسؤولة
وأجمع كل من سألتهم هسبريس خلال جولتها ولقاءاتها، من حرفيين وسكان وفاعلين جمعويين، على أن المسؤولين قاموا بإخفاء هذه النقطة السوداء خلال مؤتمر المناخ بمراكش بدفع مبلغ مالي لكل حرفي ليغلق ورشته، موردين: "تركنا للمجهول دون تدخل من أي جهة، أكانت حكومية أو سلطة إقليمية أو منتخبة".
زكرياء كلمن، عن فرع جمعية الشعلة للتربية والثقافة بتمصلوحت، حمّل المجلس الجماعي المسؤولية الكاملة في ما تعانيه المنطقة من تلوث متعدد، سواء تعلق الأمر بالنفايات الصلبة أو الغازية التي تخرج من مداخن الأفران التقليدية.
وقال كلمن في تصريح لهسبريس إن "المجلس السابق عمل على إحداث منطقة صناعية للفخار بعيدا عن التجمعات السكنية، ورصد لها أكثر من مليوني درهم، مبلغ خصص لحفر البئر، وغلاف مالي آخر لإحداث محطة لمعالجة التربة، وتم بناء سور ومحلات بشراكة مع مؤسسة محمد الخامس".
وأضاف: "من منطق استمرار الإدارة، فالمكتب المسير حاليا الذي يدبر أغنى جماعة بالحوز من واجباته أن يعالج مشكلة محطة المعالجة التي توقفت منذ عشر سنوات"، وطالب بدعم التعاونيات التي تضم الحرفيين.
وللوقوف على برنامج المجلس الجماعي لتمصلوحت بخصوص هذه المعضلة البيئية ومشكل محطة المعالجة، وغير ذلك من الملاحظات التي وجهت للقائمين على تدبير الشأن المحلي، ربطت هسبريس الاتصال برئيس الجماعة أكثر من مرة وطيلة الأسبوع دون أن تتمكن من ذلك.
الأفران تدبير جمعوي
في المقابل، نفى هشام البردوزي، المدير الجهوي للوزارة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، كل الاتهامات المومأ إليها أعلاه، مشيرا إلى أن "الصفقة التي كلفت بها الشركة الإسبانية (GP) تمت من طرف جمعية الصناع الفخارة المستفيدين من برنامج تحدي الألفية بتاريخ 09 غشت 2012"، بحسب تصريحه لهسبريس.
أما مسألة التكوين الذي تلقاه الحرفيون حول فرن وتزويدهم بفرن آخر، فقد أرجع المدير نفسه ذلك إلى أن "الشركة التركية لم تشارك في الصفقة الدولية التي فازت بها المقاولة الإسبانية"، مشيرا إلى أن "دور الجهة الوزارية انحصر في المرافقة التقنية"، وأن "منعها من طرف قضاء المغرب جاء بعد سنتين من دخول هذا المشروع حيز التنفيذ وتوريد الأفران بتاريخ 16 غشت 2012".
وبخصوص التكوين بالتدرج، قال البردوزي إن "900 صانع من مختلف الحرف، وخصوصا النسيج، يستفيدون منه"، مؤكدا "وعي المديرية بأهمية فخار تمصلوحت في التنمية الاقتصادية، وتوفير مناصب شغل، ولوضع حد لمعاناة الصناع تعمل هذه الإدارة على إعداد مشروع لاقتناء أفران غازية بمساعدة عدة شركاء، منهم كتابة الدولة في البيئة والسلطة الإقليمية".
نساهم لنحارب التلوث
للوقاية ومحاربة التلوث الصناعي، تشتغل مديرية كتابة الدولة المكلفة بالبيئة والتنمية المستدامة على مشروعين يهمان المخلفات السائلة والغازية.
وفي هذا السياق، ساهمت المديرية في التأهيل البيئي لقطاع الفخار بجهة مراكش أسفي، منذ انطلاق مشروع الفرن الغازي (25 مليون درهم)، بغلاف مالي قدر بـ2.6 مليون درهم.
وباردت مؤخرا إلى المساهمة في مشروع جماعة أكفاي بإقليم مراكش (3.8 ملايين درهم)، الذي ينتظر منه أن يكون نموذجا لصناعة الفخار، بغلاف مالي قدر1.3 مليون درهم، ومستعدة لوضع برنامج مع شركائها لوضع حد لمعاناة صناع الفخار بتمصلوحت وسكانها، وفق إفادة هشام البردوزي، المدير الجهوي للوزارة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عاجل.. هزة أرضية بإقليم الحوز تعيد رعب زلزال 8 شتنبر للأذهان

                                 عرفت دائرة “أمزميز” هزة أرضية حيث إستشعرتها ساكنة أمزميز ، على الساعة 15.31 من اليوم الثلاثاء 13 يناير الجاري. مما خلفت معها هلعا بين الساكنة. وعبر عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي من المنطقة عن إحساسهم بقوة الهزة الارضية، وأبدوا تخوفهم من أن تعاود الأرض اهتزازها من جديد. تجدر الإشارة، إلى أن منطقة أمزميز الواقعة في النفوذ الترابي لإقليم الحوز، تعد من المناطق الاكثر تضررا جراء زلزال 8 شتنبر المدمر، الذي خلف خسائر كبيرة في الاوراح والممتلكات.

رجال سلطة وأعوان بإقليم الحوز في مواجهة المحاسبة بسبب خروقات التعمير

كشفت مصادر متطابقة أن السلطات الإقليمية بإقليم الحوز توصلت، شأنها شأن باقي عمالات وأقاليم المملكة، بتوجيهات صارمة من المصالح المركزية بوزارة الداخلية، تدعو إلى الشروع الفوري في تفعيل مبدأ المحاسبة في حق المتورطين في تنامي ظاهرة البناء العشوائي، وذلك استنادا إلى تقارير تقنية وخرائط تعمير محيّنة رصدت خروقات جسيمة داخل عدد من الجماعات الترابية بالإقليم. وأفادت المصادر ذاتها أن المعطيات الواردة في هذه التقارير كشفت عن حالات تستر وتقصير منسوبة إلى رجال سلطة وأعوان سلطة، من قواد وباشوات ومقدمين وشيوخ، بشأن عدم التبليغ عن بنايات غير مرخصة، أو غضّ الطرف عن أوراش تعمير مخالفة للقوانين الجاري بها العمل، خاصة بالمناطق القروية وشبه الحضرية التي تعرف ضغطا عمرانيا متزايدا. وبحسب مصادر مطلعة، فإن تنزيل هذه التوجيهات انطلق فعليا عبر فتح مساطر إدارية داخل عدد من القيادات والباشويات، حيث جرى استفسار معنيين في جلسات استماع رسمية حول أسباب تمدد البناء العشوائي، وغياب محاضر المعاينة والزجر رغم وجود خروقات واضحة على أرض الواقع. وأكدت المصادر نفسها أن الإجراءات التأديبية المرتقبة ستُعرض على أنظار المجالس ال...

تفريخ البناء العشوائي يضع رؤساء جماعات بجهة مراكش آسفي تحت مجهر وزارة الداخلية

كشفت تسريبات من إحصاء أنجزته مصالح الإدارة الترابية بعمالات وأقاليم جهة مراكش آسفي عن معطيات مقلقة بخصوص تورط رؤساء جماعات ونواب مفوضين لهم وموظفين جماعيين في منح رخص استغلال ساهمت في تنامي ظاهرة البناء العشوائي داخل المجالين الحضري وشبه الحضري. وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه الرخص منحت لمحلات وبنايات شُيّدت دون احترام المساطر القانونية أو الحصول على التراخيص والتصاميم الضرورية، خاصة بالقرب من تجمعات سكنية ومرافق ذات طابع تجاري وسياحي، قبل أن يتم ربطها بشبكتي الماء والكهرباء في محاولة لإضفاء صبغة قانونية على خروقات تعميرية خطيرة. وأضافت المصادر ذاتها أن تقارير رسمية رصدت انتشار محلات تجارية غير مرخصة، من قبيل دكاكين ومقاهٍ ومطاعم ومحلات بيع مواد البناء، داخل النفوذ الترابي لعدد من الجماعات التابعة للجهة، مشيرة إلى أن بعضها استفاد من رخص استغلال موقعة من مسؤولين جماعيين، رغم تشييدها خارج الضوابط القانونية. كما توقفت التحريات عند شبهات تقاعس رجال سلطة محليين عن تنفيذ قرارات الهدم في حق بنايات مخالفة، بما فيها مستودعات و“هنكارات” استُغلت في أنشطة صناعية وتجارية غير مرخصة، معتبرة أن هذه المما...

البرلماني إد موسى يضع نفق «تيشكا» على طاولة الحكومة من أجل تسهيل الربط بين مراكش وورزازات

أعاد النائب البرلماني محمد إد موسى ملف نفق «تيشكا» إلى صدارة النقاش العمومي من خلال تدخل قوي قدّمه يوم الاثنين الماضي، شدد فيه على الدينامية المتسارعة التي تعرفها الشبكة الطرقية الوطنية، سواء على مستوى الطرق السيارة والسريعة، أو الطرق الجهوية والإقليمية، إضافة إلى برامج تأهيل المسالك. واعتبر إد موسى أن هذه الدينامية تفرض تسريع إخراج المشاريع الاستراتيجية المؤجلة، وفي مقدمتها نفق «تيشكا»، بالنظر إلى مكانته المحورية في الربط بين مراكش وورزازات وتعزيز التكامل الاقتصادي والمجالي بين الجهتين. وأكد البرلماني أن مشروع النفق يندرج ضمن الأوراش الكبرى المرتبطة بالاستحقاقات الدولية والقارية التي يستعد المغرب لاحتضانها، مبرزًا أن الانتظارات المرتبطة به لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل، خصوصًا ما يتعلق بربط مراكش وورزازات عبر أوريكا. وفي هذا السياق، تساءل إد موسى عن مآل الملف، ومدى تقدم الدراسات التقنية، والأسباب الحقيقية التي حالت دون الانتقال إلى مرحلة الإنجاز، داعيًا إلى وضوح أكبر في التعاطي مع مشروع يحظى بأهمية استراتيجية كبرى. من جهته، أوضح وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن خيار إنجاز نفق أوريك...

الحوز.. دخول ستة مراكز صحية قروية من المستوى الأول ومركزين قرويين من المستوى الثاني ومستوصفين قرويين حيز الخدمة

  تعزز العرض الصحي بإقليم الحوز بدخول ستة مراكز صحية قروية من المستوى الأول، ومركزين صحيين قرويين من المستوى الثاني، إضافة إلى مستوصفين قرويين حيز الخدمة، وذلك في إطار البرنامج الوطني لإعادة تأهيل وتجهيز مؤسسات الرعاية الصحية الأولية. ويأتي هذا التعزيز استجابة للحاجيات المتزايدة للساكنة القروية، وسعيًا إلى تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية. ومن المرتقب أن تُسهم هذه المرافق الصحية الجديدة في تحسين جودة التكفل الطبي وتقريب خدمات الفحص والعلاج وتتبع الأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل من المواطنين، إلى جانب تخفيف الضغط على المستشفى الإقليمي بالحوز والمستشفيات الجهوية. كما جرى تجهيز هذه المؤسسات بمعدات حديثة وتعزيزها بموارد بشرية مؤهلة، بما يعزز فعالية العرض الصحي ويستجيب لانتظارات ساكنة الإقليم.