التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​بين أرقام "الماكرو" المتفائلة وواقع "الميكرو" المأزوم: أين تقع الكفاءة الوطنية في معادلة التدبير الحكومي؟




​شكلت الحصيلة الأخيرة التي قدمتها الحكومة مناسبة لطرح نقاش عميق يتجاوز لغة الأرقام الجافة ليمس جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وتكشف القراءة الحقوقية والموضوعية للمؤشرات الحالية عن مفارقة بنيوية واضحة المعالم، تتجلى في التباين الصارخ بين التوازنات "الماكرو إقتصادية" (الاقتصاد الكلي للدولة )، وبين المؤشرات "الميكرو اقتصادية" (الاقتصاد الجزئي) المرتبطة مباشرة بالمعيش اليومي والعدالة الاجتماعية.

​ولتقريب هذه الصورة لعامة الرأي العام؛ فإن الاقتصاد "الماكرو" هو اقتصاد الأرقام الكبرى والتقارير الرسمية التي تعلنها الحكومة، مثل: معدلات الاستثمار الكلي، حجم الصادرات، والتوازنات المالية العامة (أي اقتصاد الصورة العامة للدولة). أما الاقتصاد "الميكرو" فهو اقتصاد "القفة وجيب المواطن" والواقع المعيش؛ والمتمثل في أسعار المواد الأساسية بالأسواق، وكلفة الفاتورة الاجتماعية، وقدرة الأسر المغربية على تأمين حقوقها الأساسية دون الوقوع في فخ العوز. والمفارقة المقلقة اليوم هي أن "الماكرو" يبدو متفائلاً في الخطابات والتقارير، بينما "الميكرو" الاجتماعي يعيش أزمة بنيوية خانقة تؤرق بال الأسر. ​

إن المؤشرات الكلية المتفائلة تصطدم بواقع محلي يواجه تحديات كبرى على مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية. فمن جهة لا يزال الحق في الصحة والتعليم يواجهان إكراهات بنيوية واضحة؛ حيث تعاني الفئات الهشة والطبقة المتوسطة من تراجع جودة الخدمات العمومية، مما يضطر العديد من الأسر إلى تحمل أعباء مالية إضافية في القطاع الخاص لاستدراك هذا النقص، وهو ما يؤدي مباشرة إلى تآكل قدرتها الشرائية والادخارية. ​وينضاف إلى هذا الشرخ الاجتماعي إشكال البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا. إن استمرار معدلات البطالة في مستويات مقلقة يكشف عن عجز السياسات التشغيلية والبرامج المعتمدة عن استيعاب الطاقات الشابة بالشكل الكافي، مما يضرب في الصميم الحق في الشغل ويعمق الإحساس بالإقصاء الاجتماعي لدى فئات واسعة من الخريجين. ​

​وفي هذا السياق المقلق، تبرز معضلة حقوقية واقتصادية بالغة الخطورة وتتمثل في "هجرة الأدمغة والكفاءات المتفوقة". فبناءً على التقارير الإحصائية الوطنية والدولية، يفقد المغرب سنوياً آلاف المهندسين، الأطباء، والطلبة المتفوقين الذين تخرّجوا من أرقى المعاهد والمدارس العمومية الوطنية. ​إن هؤلاء النوابغ صُرفت على تكوينهم أموال طائلة من ميزانية الدولة وجيوب دافعي الضرائب، وبدلاً من أن تستثمر الدولة هذه الثروة البشرية لبناء تنمية داخلية، يضطر الأغلبية الساحقة منهم للهجرة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، سواء لاستكمال دراستهم أو للبحث عن فرص شغل تحترم مؤهلاتهم.

والنتيجة هي أن الكثير منهم يختار الاستقرار هناك وعدم العودة، نظراً لانسداد آفاق التشغيل وغياب البيئة الحاضنة التي تضمن لهم مستقبلاً مهنياً مستقراً ومحفزاً مما يشكل هدراً بليغاً للرأسمال اللامادي وللمال العام لصالح اقتصادات غربية تستقبل هذه الكفاءات جاهزة دون أن تتحمل كلفة تكوينها. ​ ​إن هذه المفارقة بين "الماكرو" و"الميكرو" وهدر كفاءات الوطن ليست نتاج الصدفة، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في منظومة المراقبة والتشريع. فالحكومة تظل في مأمن من المساءلة الحقيقية والفعالة عندما تفتقر المؤسسة البرلمانية المنوط بها مراقبة العمل الحكومي إلى النخب المؤهلة علمياً وأكاديمياً. فتواضع المستوى المعرفي والتحليلي لشرائح واسعة من دافعي القرارات والمشرعين يضعف آليات الرقابة، ويجعل مناقشة السياسات العمومية مجرد نقاش سطحي يفتقر للعمق والنجاعة والقدرة على تفكيك الميزانيات. ​

والأخطر من ذلك، هو النمط الانتخابي السائد الذي بات يشجع، في محطات عدة، منطق "أصحاب الرساميل" أو ما يصطلح عليه شعبياً بـ "مول الشكارة"، عبر إعطاء الأولوية للقدرة المالية والنفوذ التقليدي على حساب الكفاءات العلمية وأصحاب الشواهد العليا. إن تقديم الاعتبارات المالية في اختيار النخب السياسية يساهم في إبعاد الأطر الوطنية والكفاءات الأكاديمية عن مراكز القرار، مما يؤدي إلى إنتاج مجالس تشريعية عاجزة عن قراءة التوازنات الماكرواقتصادية ومحاسبة الحكومة على أثرها الميكرواقتصادي والاجتماعي. ​ ​أمام هذا الوضع المسدود تفاعلياً، تُطرح أسئلة جوهرية واستشرافية تفرض نفسها على صُنّاع القرار ، ​إلى متى ستظل المؤشرات الاقتصادية الرسمية معزولة عن قاع المجتمع وجيوب المواطنين؟ ​وكيف يمكن الحديث عن مغرب الكفاءات والنموذج التنموي الجديد في ظل مشهد انتخابي وتشريعي يُقصي حاملي الشواهد لفائدة أصحاب الثروة والشكارة؟ ​وما هي الكلفة الحقيقية التي يدفعها الوطن مستقبلاً جراء استمرار نزيف أدمغته المتفوقة نحو الخارج؟ ​إن الخروج من هذه المفارقة البنيوية يتطلب حزمة من المسالك والحلول الاستعجالية القائمة على مقاربة حقوقية وتنموية شاملة. ​

إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة الأكاديمية ، عبر مراجعة المنظومة الانتخابية وشروط الترشح للوظائف الانتدابية والتشريعية، لضمان وصول أصحاب الشواهد العليا والنخب المؤهلة القادرة علمياً على مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها بناءً على المردودية وليس الولاءات المالية. ​ربط الماكرواقتصاد بالأثر الاجتماعي الفوري ، وذلك بتوجيه ثمار النمو المالي الكلي للدولة مباشرة نحو إصلاح بنيوي حقيقي لقطاعي الصحة والتعليم العموميين، وضبط حازم لأسعار المواد الأساسية لحماية القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة. و ​استراتيجية وطنية لوقف نزيف العقول ، عبر خلق بيئة محفزة للتشغيل، وتوفير شروط مادية ومهنية تضمن كرامة الأطر والمهندسين والأطباء المغاربة، والتعامل مع الكفاءات الوطنية كاستثمار استراتيجي للمال العام لا يجب التفريط فيه لصالح الخارج.

​إن النجاح التدبيري الفعلي لأي تجربة حكومية لا يمكن اختزاله في ضبط الموازنات المالية على الأوراق، بل يقاس بمدى صون الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة التوزيعية، وإعادة الاعتماد للطبقة المتوسطة كصمام أمان حقيقي للاستقرار الاجتماعي البنيوي.

يوسف أكومازين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أخنوش يحل بإقليم الحوز ويلتقي مناضلي الأحرار بآسني وأمزميز وتمصلوحت وتغدوين وتمزوزت وسيدي عبد الله غياث

  يرتقب أن يقوم عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار سابقاً، يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، بزيارة ذات طابع حزبي إلى عدد من المناطق التابعة لإقليم الحوز، وذلك في إطار لقاءات تواصلية مع مناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه، في سياق الاستعدادات الجارية للاستحقاقات التشريعية المقبلة. ومن المنتظر أن تشمل الجولة إمليل بجماعة أسني، ومدينة أمزميز، وجماعة تمصلوحت، إضافة إلى تغدوين وتمزوزت وسيدي عبد الله غياث، حيث سيلتقي أخنوش بمناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه، في إطار لقاءات تواصلية تروم تعبئة القواعد التجمعية وتقوية الحضور التنظيمي للحزب بالإقليم. ويرتقب أن تتجاوز هذه اللقاءات الطابع التواصلي والتنظيمي، لتشكل مناسبة لحشد الدعم والتعبئة لفائدة وكيل لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الحوز، لحسن الأجودي، خاصة مع دخول مختلف التنظيمات السياسية مرحلة الإعداد الميداني للاستحقاقات المقبلة. كما ينتظر أن تشكل الجولة فرصة أمام قيادة الحزب للاستماع إلى انتظارات المناضلين والمتعاطفين، ومناقشة القضايا التي تهم مختلف جماعات الإقليم، إلى جانب تعبئة القواعد المحلية استعداد...

ستي فاضمة.. جريمة قتل تهز منتجع أولماس والدرك يوقف المشتبه فيه

  اهتز منتجع أولماس، التابع لمنطقة ستي فاضمة بإقليم الحوز، خلال الأيام الأخيرة، على وقع جريمة قتل مأساوية أودت بحياة شخص، في واقعة استنفرت المصالح الأمنية والقضائية بالمنطقة. ووفق المعطيات المتداولة، فإن الضحية فارق الحياة إثر اعتداء من طرف أحد معارفه، كان تجمعه به علاقة صداقة، والمعروف بلقب «شليحة»، قبل أن تتمكن عناصر الدرك الملكي من توقيف المشتبه فيه ووضعه رهن تدابير الحراسة النظرية، بتنسيق مع النيابة العامة المختصة. وتشير المعطيات نفسها إلى أن المشتبه فيه كان معروفاً لدى المصالح الأمنية، حيث سبق أن كانت له قضايا مرتبطة بحيازة والاتجار في المخدرات، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث القضائية الجارية بشأن ملابسات الواقعة. وتواصل المصالح المختصة تحرياتها وتحقيقاتها من أجل تحديد كافة الظروف المحيطة بالجريمة، والكشف عن ملابساتها والدوافع المحتملة التي تقف وراءها، إلى جانب الاستماع إلى الأشخاص الذين قد تكون لهم علاقة بالواقعة. ومن المنتظر أن تتم إحالة المشتبه فيه على أنظار النيابة العامة المختصة بعد استكمال الإجراءات القانونية، وذلك لترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء نتائج الأبحاث وا...

توقيف رئيس جماعة متلبسا بتلقي رشوة قدرها 3000 درهم

  أوقفت عناصر الشرطة القضائية بالأمن الإقليمي لمدينة آسفي، يوم الجمعة 7 غشت 2026، رئيس جماعة ترابية تابعة للإقليم، للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالارتشاء وتلقي مبالغ مالية مقابل أداء خدمة إدارية. وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد جرى توقيف المسؤول الجماعي بالقرب من أحد المراكز التجارية بمدينة آسفي، إثر عملية أمنية نُفذت بناءً على شكاية تقدم بها أحد المواطنين إلى النيابة العامة، يتهم فيها رئيس الجماعة بمطالبته بمبلغ مالي قدره 3000 درهم، مقابل التدخل لقضاء خدمة ذات طابع إداري. وأفادت المعطيات ذاتها بأن عملية التوقيف تمت في إطار كمين أمني أُعد بتنسيق مع المصالح المختصة، حيث جرى ضبط المعني بالأمر في حالة تلبس، وفق ما ستكشف عنه تفاصيل البحث القضائي الجاري. وقد وُضع الموقوف تحت تدبير الحراسة النظرية، بتعليمات من النيابة العامة المختصة، وذلك من أجل تعميق البحث والاستماع إلى الأطراف المعنية، والكشف عن جميع ملابسات القضية، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وعرض المشتبه فيه على أنظار القضاء.

فاجعة على طريق أوريكة تمزوزت.. وفاة أم وإصابة زوجها وطفلها في حادث سير خطير

  اهتزت جماعة غمات بإقليم الحوز، في الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين 10 غشت الجاري، على وقع حادثة سير مروعة أودت بحياة سيدة، فيما أصيب زوجها وابنهما البالغ من العمر خمس سنوات بجروح متفاوتة الخطورة، بعدما تعرضت الأسرة للدهس من طرف سيارة في ظروف لا تزال موضوع بحث من قبل المصالح المختصة. وبحسب شهادات عدد من الحاضرين وأفراد من عائلة الضحية، فإن السيارة صدمت أفراد الأسرة قبل أن تواصل سيرها، وسط حديث عن جر السيدة لمسافة تجاوزت 60 مترًا، بعدما علقت ساقها بالجزء الأمامي للمركبة، ما تسبب لها في إصابات بالغة على مستوى الساق والرأس والصدر. وجرى نقل الضحية في حالة حرجة إلى المركز الاستشفائي محمد السادس بمراكش، حيث خضعت لعملية جراحية استعجالية انتهت إلى بتر ساقها على مستوى الفخذ، في محاولة لإنقاذ حياتها، غير أن خطورة الإصابات والنزيف الحاد الذي تعرضت له حالا دون ذلك، لتفارق الحياة متأثرة بجروحها. وفي المقابل، جرى نقل الزوج والطفل، الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، إلى إحدى المصحات لتلقي الإسعافات والعلاجات الضرورية، في وقت تتابع فيه المصالح الطبية وضعهما الصحي. وتفيد روايات متداولة بين عدد من ا...

عمالة الحوز تستقبل قائدين جديدين من الفوج 61 لتعزيز الإدارة الترابية وسد المناصب الشاغرة

تستعد عمالة إقليم الحوز لاستقبال قائدين جديدين من خريجي الفوج 61 من المعهد الملكي للإدارة الترابية، وذلك في إطار الحركة الجديدة لتعيين رجال السلطة، بهدف تعزيز الطاقم الترابي وسد عدد من المناصب الشاغرة بالإقليم. وتأتي هذه التعيينات في سياق إعادة توزيع رجال السلطة حديثي التخرج على عدد من العمالات والأقاليم، بما يواكب حاجيات الإدارة الترابية ويعزز حضورها الميداني في تدبير الملفات المحلية ومواكبة القضايا المرتبطة بالساكنة. ويرتقب أن تساهم هذه التعيينات في دعم الإدارة الترابية بإقليم الحوز، الذي يشهد دينامية متواصلة على مستوى إعادة الإعمار وتنزيل المشاريع التنموية وتتبع أوراش ما بعد زلزال 8 شتنبر، إلى جانب تدبير مختلف الملفات المرتبطة بالجماعات الترابية. ومن المنتظر أن يتم الكشف رسمياً عن تفاصيل المهام المسندة إلى القائدين الجديدين، فور استكمال الإجراءات والمساطر الإدارية المعمول بها.